الخميس 04 ,يونيو ,2026

خبراء: القطاع الخاص العربي أمام إعادة تشكيل شاملة بفعل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي

/ الخميس 04 ,يونيو ,2026
ندوة بالقاهرة تؤكد: الشركات التي تتأخر في تبني الذكاء الاصطناعي تواجه فجوة تنافسية متسعة.. و44% من المهارات الحالية ستتغير خلال 5 سنوات

أكدت ندوة متخصصة عُقدت بالقاهرة مؤخراً أن القطاع الخاص في العالم العربي يقف أمام مرحلة جديدة من إعادة التشكيل الاقتصادي والرقمي، مدفوعة بالتوسع المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وما يترتب عليهما من تغيرات جوهرية في أنماط الإدارة والإنتاجية والتنافسية وسوق العمل.


وسلطت الندوة، التي استضافتها مؤسسة الأهرام وتحدث خلالها الدكتور نضال أبوزكي، مدير عام مجموعة أورينت بلانيت، الضوء على التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة عالمياً، والدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في إعادة صياغة بيئات الأعمال داخل المنطقة العربية، وتأثيره المباشر على الإنتاجية والعمليات التشغيلية وآليات اتخاذ القرار، وانعكاساته على مستقبل الشركات والنمو الاقتصادي والتحول الرقمي المؤسسي.

الذكاء الاصطناعي محرك جديد للتنافسية والاستثمار

أكد الدكتور نضال أبوزكي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية أو ترف تكنولوجي، بل أصبح عاملاً اقتصادياً رئيسياً يؤثر بصورة مباشرة في الإنتاجية والتنافسية والاستثمار، مشيراً إلى أن تقديرات دولية تتوقع وصول حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي إلى نحو 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033.

وأوضح أن نحو 78% من المؤسسات العالمية أصبحت تستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل، وهو ما يعكس تسارع التحول من مرحلة التجريب إلى مرحلة الاعتماد المؤسسي الواسع.

البيانات.. مصدر جديد للقوة الاقتصادية

وأشار أبوزكي إلى أن التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتجاوز حدود التكنولوجيا لتصل إلى إعادة تعريف مفاهيم النفوذ الاقتصادي والتنافسية العالمية، موضحاً أن البيانات أصبحت أحد أهم الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد الحديث.

وأضاف أن الشركات لم تعد تتنافس فقط على المنتجات والخدمات، بل على امتلاك البيانات وتحليلها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية تدعم اتخاذ القرار وترفع الكفاءة التشغيلية.

القطاع الخاص العربي في مرحلة تحول اقتصادي ورقمي

وأوضح أبوزكي أن القطاع الخاص العربي يمر بمرحلة تحول محورية مدفوعة بتغير سلوك الأسواق، وارتفاع مستويات المنافسة، والتوسع المتسارع للاقتصاد الرقمي عالمياً.

وأشار إلى أن القطاع الخاص يساهم بنحو 75% من الناتج المحلي الإجمالي العربي، بينما تصل مساهمته في مصر إلى نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توظيفه لنحو 80% من إجمالي القوى العاملة، في حين تمثل الأنشطة غير النفطية في الإمارات نحو 77% من الناتج المحلي، وتتجاوز 55% في المملكة العربية السعودية، ما يعكس تصاعد دور الاقتصاد الرقمي والقطاعات غير التقليدية في المنطقة.

44% من المهارات الحالية ستتغير خلال 5 سنوات

وحذر أبوزكي من أن التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لن تقتصر على التكنولوجيا وحدها، بل ستمتد إلى سوق العمل والمهارات المطلوبة، لافتاً إلى أن التقديرات الدولية تشير إلى أن نحو 40% من الوظائف عالمياً قد تتأثر بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.

وأضاف أن ما يقرب من 44% من المهارات الحالية مرشحة للتغيير خلال السنوات الخمس القادمة، ما يفرض على المؤسسات والأفراد تسريع خطط إعادة التأهيل والتطوير المستمر.

من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها

وأوضح أبوزكي أن بعض الاقتصادات الخليجية، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، تمتلك مستويات متقدمة من الجاهزية الرقمية والبنية التحتية التكنولوجية، فيما تبرز مصر باعتبارها واحدة من أكبر الأسواق العربية من حيث الفرص البشرية والشركات الناشئة، خاصة في التكنولوجيا المالية والخدمات الرقمية.

وأكد أن التحدي الحقيقي لم يعد في مجرد تبني التكنولوجيا، بل في القدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية وإنتاجية ملموسة، مشدداً على أن الاقتصادات المقبلة ستُقاس بقدرتها على إنتاج التكنولوجيا وليس استهلاكها فقط.

وأضاف أن الدول التي تنجح في بناء منظومات محلية للذكاء الاصطناعي ستكون الأكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتعزيز تنافسيتها الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.

الفجوة المقبلة بين الشركات الجاهزة رقمياً والمتأخرة تقنياً

وحذر أبوزكي من التعامل غير المدروس مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن ما بين 70% و80% من مشروعات الذكاء الاصطناعي لا تحقق العوائد المتوقعة بسبب غياب الاستراتيجيات الواضحة أو ضعف الجاهزية المؤسسية.

وقال إن الفجوة المقبلة ستكون كبيرة بين الشركات التي تمتلك القدرة على توظيف التكنولوجيا بصورة استراتيجية، وتلك التي تتأخر في مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة.

كما تناولت الندوة عدداً من القضايا المتعلقة بالجاهزية الرقمية في الأسواق العربية، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، والتحديات المرتبطة بالحوكمة والبيانات والأمن الرقمي.

الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف مهارات المستقبل

وأشار أبوزكي إلى أن أحد أكبر التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يتمثل في المبالغات والتصورات غير الواقعية حول تأثيره على الوظائف، موضحاً أن التحول الحقيقي لا يتعلق بإلغاء الوظائف بقدر ما يتعلق بإعادة تشكيلها.

وأوضح أن السنوات المقبلة ستشهد ارتفاعاً في الطلب على المهارات المتعلقة بتحليل البيانات والتفكير التحليلي واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المهارات الإنسانية التي يصعب استبدالها مثل الإبداع والتواصل والقيادة.

وأكد أن القدرة على التكيف مع التحولات الرقمية ستصبح أحد أهم عوامل النجاح والاستمرارية في سوق العمل الجديد.

العالم العربي أمام فرصة تاريخية

وشدد أبوزكي على أن العالم العربي يمتلك فرصة تاريخية للاستفادة من التحولات التكنولوجية الراهنة، لكنه يحتاج إلى تسريع تطوير البنية الرقمية، وتعزيز بيئات الابتكار، والاستثمار في التعليم والمهارات، وربط التكنولوجيا بمتطلبات الاقتصاد الحقيقي.

كما استعرضت الندوة تجارب دولية في التحول الاقتصادي والتكنولوجي، من بينها سنغافورة وماليزيا وبنجلاديش وبعض دول أوروبا الشرقية، والتي نجحت في بناء نماذج اقتصادية أكثر تنافسية عبر الاستثمار في التكنولوجيا وتنمية المهارات وتعزيز دور القطاع الخاص.

ومن جانبها، قالت الكاتبة الصحفية إيمان عراقي، رئيسة تحرير مجلتي الأهرام الاقتصادي ولغة العصر وبوابة الأهرام بيزنس، إن المؤسسات الإعلامية تمر بمرحلة إعادة تعريف شاملة لأدواتها وأدوارها، في ظل جمهور يتجه بشكل متزايد نحو المنصات الرقمية والمحتوى السريع.

وأكدت أن المقارنة لم تعد بين الصحافة الورقية والرقمية، بل بين المؤسسات القادرة على الدمج بين التكنولوجيا والقيمة المهنية، وتلك التي لا تزال تعمل بعقلية ما قبل التحول الرقمي.

وأضافت أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من أدوات العمل الصحفي الحديثة، لكنه لا يمكن أن يحل محل الفهم البشري أو الحس المهني أو القدرة على قراءة السياقات الاجتماعية والسياسية التي تمنح المحتوى معناه الحقيقي.