الجمعة 07 ,أكتوبر ,2022

أسئلة المصير الوطني.... (ج1)

/ السبت 04 ,يونيو ,2022
د. أحمد عـــز الدين المحلل الإستراتيجي

ما يلمع على الشاشات ليس ذهبا ، بل ربما كان قشا أو حطبا ، وما يوزّع على الناس من فوق هذه الشاشات ، في محنة أزمة وضغوط فائقة ، وفاقة ليس خبزا ، بل ربما كان سُما أو لُغما .

فنحن في أوج سطوة تكنولوجيا صناعة الوهم ، بوظيفتها الأساسية التي لا تخرج عن أن تسحر عيون الناس وأن تأخذهم من قلب الأزمة المحتقن إلى هوامشها ، ومن جسمها إلى ظلالها، ومن ميادينها الواسعة إلى أزقتها الضيقة، ومن نهرها المفتوح إلى تُرعها المغلقة .

لقد كتب أحد أبطال دوستويفسكي وصيته وهو يحتضر على النحو التالي: فقد أوصى بأن يهب أعضاءه الداخلية للمرضى الذين يحتاجون إليها، وأن يوزع هيكله العظمي على طلبة كليات الطب، وأن يصنع مما تبقى منه وهو جلده، طبولا مشدودة يتم عزف إيقاع النشيد الوطني عليها ليل نهار .

ويبدو أن المطلوب أن تكتب هذه الأمة وصيتها على نحو مشابه، ينهي عصر الدولة القومية، والسيادة الوطنية، ومعالم الجغرافيا الإستراتيجية، بأن تهب ما تبقى من لحمها لأقلية محتكرة في الداخل، تمثل وكيلا لأقلية محتكرة في الخارج، وأن تهب هيكلها العظمي لخصومها وأعدائها، وأن تنجح في الإبقاء على جلدها ليكون ممكنا أن يتحول إلى طبول مشدودة، يتم الاستمرار في عزف إيقاع الأناشيد القومية عليه، كلما دعت الحاجة إلى ذلك .

فهكذا يمكن أن تتحول المجتمعات المنقسمة بالطول والعرض والعمق، مع سيادة نزعة الفردية المتوحشة، والمصالح الذاتية المسنونة، إلى حالة أقرب إلى توصيف مفكر غربي قديم هو (شوبنهاور) وهي بألفاظه عبارة عن (حانة مملوءة بالسكارى من الناحية الجمالية، ووكرا للصوص من الناحية الأخلاقية، ومستشفى للمجانين من الناحية الثقافية)

لذلك ينبغي أن يكون واضحا وجليّا أن المطلوب تحديدا ، ليس هو إثبات فشل الدولة القومية ، أو دفعها قسرا إلى تعويم نفسها كشركة خاسرة ، وإنما إلى أن تقوم بنفسها بإنهاء مبررات وجودها .

أسئلة المصير الوطني أو القومي ، ليست أسئلة مشروعة فحسب ، بل هي الأسئلة الأساسية والضرورية والحتمية ، في مفصل تحول إستراتيجي كامل في أوضاع الإقليم قبل أوضاع العالم ، وفي ظل إنقلاب إستراتيجي شامل في الشرق الأوسط ، وزلزلة عنيفة فوق قمة النظام الدولي ، تصل نتائجها ملموسة ومؤثرة فوق قواعد خرائط الدنيا الواسعة ، بعقائدها ونظريات أمنها القومي ، وأعمدتها التاريخية في محيط واسع من الجغرافيا الإستراتيجية .

لذلك ، فإن العالم كله من حولنا مشغول ، حتى أعمق أعماق خلايا عقله بهذا الصنف المحدد من الأسئلة ، تستوي في ذلك أمريكا أو الصين أو روسيا أو أوربا أو حتى إسرائيل ، لكننا فيما يبدو مشغولون بنوع مغاير تماما من الأسئلة ، وهي أسئلة تشبه رؤوس المسامير الصغيرة ، التي يتم تثبيت إطارات الصور الشخصية ، أو الأجندات الحائطية ، أو اللوحات الملونة فوق حوائط تبدو نفسها مهتزة بشدة ، وهي تنوء تحت قوة الصدمات ، وكأن قصارى جهدنا ودورنا ، أن نمرر اللحظة بأن نعبر من فوقها أو من تحتها ، رغم أنها تعبر فينا .

رغم أن الإدراك قد أصبح حاضرا بقوة ، في حدود واسعة من العالم ، بأن الأزمة وتداعياتها ، قد هبطت بجسمها الثقيل من أعلى إلى أسفل ، من مقرات الحكومات والأجهزة والبنوك والشركات ، إلى الشوارع والأرصفة ، من السلطات إلى الشعوب ، من الشرائح الاجتماعية العليا إلى الطبقة المتوسطة والطبقات الدنيا ، وقد هبطت معها المعارضة من مقرات الأحزاب والوجوه السياسية والفكرية ، إلى طوابير الناس في الشوارع المضطربة .

ربما يبدو الكلام تجريدا خالصا ، أو مصنوعا ، إذا لم تكن هناك تطبيقات حيّة ناطقة به.

غير أن الأمر لا يحتاج إلى تطبيق في الحالة الروسية – مثلا – لأن روسيا لم تضع أسئلة المصير القومي الروسي ، فوق ورقة للإجابة عليها ، وإنما وضعتها في حقل الممارسة العملية ، فقد أجابت على أسئلة المصير القومي ، باندفاعاتها الإستراتيجية لتدمير التهديد الإستراتيجي الحال في جوارها الإقليمي ، وما صاحبه من إجراءات في السياسة والمجتمع والاقتصاد ، مما يمس ترسيخ مفهوم السيادة .

وفي حالة إسرائيل – مثلا – فرغم اعتراف كثير من الأدبيات الإستراتيجية والأمنية الإسرائيلية ، كما في كتاب (تشاك فرايليخ) نائب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق (عقيدة الأمن القومي لإسرائيل : إستراتيجيا جديدة في عصر من التحولات) بأن إسرائيل لم تعد بعد سبعة عقود تواجه تهديدا عربيا لوجودها ، ولا تهديدا نوويا مباشرا ، إلا أنه يرى أن التهديد المركزي الذي باتت تشكله الدول العربية حاليا ، هو تهديد ضعفها ، الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيارات وعدم استقرار سينعكسان أيضا على إسرائيل .

وإذا كان ضعف السلطات العربية ، أو الضعف العربي ، تصنفه إسرائيل كتهديد ، فإن الوضع الداخلي الإسرائيلي نفسه في سياق أسئلة المصير ، قد أصبح في رؤية كبار الجنرالات والإستراتيجيين الإسرائيليين ، يشكل مصدرا أكبر للخوف وللتهديد ، ولذلك تستطيع أن تستخلص من دراسات وكتابات وأحاديث المستوى الأعلى في عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي ، سواء غادي إزنجوت رئيس هيئة الأركان السابق ، أو الدكتور أورئيل رايخمان أبرز مؤسسي مركز هرتسليا للدراسات الإستراتيجية ، أو الجنرال عاموس جلعاد مدير الشئون السياسية في وزارة الدفاع سابقا ، أو اللواء جابي سيوني ، أو غيرهم ، القيام ببلورة مفاهيم ومصطلحات جديدة تعكس بعضا من التفكير والإجابات على أسئلة المصير ، مثل ( الاعتماد على الذات ) و (الشرعية الداخلية) و (جيش الشعب) داخليا بديلا عن جيش الدفاع ، و (السلام من منظور الإستراتيجية العسكرية) بديلا لمصطلح السلام القانوني أو السلام الدبلوماسي ، والأول وحده هو (السلام المستقر) و (مبادئ الأمن القومي المجتمعية) و (تحديث أسس العقيدة الأمنية) .

إن هذه المفاهيم أو المصطلحات الإضافية المستجدة ، ليس مجرد واجهات براقة في الإعلام ، أو في الخطاب الداخلي ، وإنما ترتكز على توجهات حقيقية ، في إطار أسئلة المصير الإسرائيلي .

فمفهوم جيش الشعب مثلا ، كان ردا على انخفاض الحالة المعنوية الداخلية تجاه الجيش الإسرائيلي ، بعد انخفاض مستوى الردع ووضوح مأزق ضيق العمق الإستراتيجي لإسرائيل في معركة غزة الأخيرة ، وهو ما يعكس في أسئلة المصير الأهمية القصوى للحالة المعنوية للشعوب تجاه قواتها المسلحة ، وهو أمر لا يلتفت إليه الكثيرون ، رغم تأثيره المباشر في المفردات الأساسية لأي نظرية للردع ، وفي فاعلية القوة العسكرية .

ومفهوم أو مصطلح الشرعية الداخلية ، ليس منفصلا من منظور إستراتيجي خالص ، في كتابات إزنجوت وجابي عن (تطوير المجتمع والتعليم والثقافة الخ) وسحب مظلة الأمن القومي إلى داخل حدودها المجتمعية ليس منفصلا عن مفهوم وحدة الأمن داخليا وخارجيا الخ ، وكل ذلك في سياقه وأبعاده ومفاهيمه ، يصب في تيار رئيسي يشكل رؤوس إجابات على أسئلة المصير الإسرائيلي .

في الولايات المتحدة الأمريكية – وعلى سبيل المثال أيضا – وعلى الرغم من أن جوهر الصراع داخليا ، هو بين صنفين من الرأسمالية أو الليبرالية الجديدة ، هما الرأسمالية المالية التي تمثلها الإدارة الحالية ، والرأسمالية الصناعية التي تمثلها الإدارة السابقة ، فإن أسئلة المصير القومي ، لم تعد ممرا مفتوحا بين طريقين ، أو بين صنفين من هذه الرأسمالية ، يجري الاصطفاف سياسيا وفكريا واقتصاديا على جانبيهما ، فأسئلة المصير القومي الأمريكي ، أصبحت تطول جوهر النظام السياسي نفسه ، ومدى قدرته على التصدي للتهديدات الوجودية ،والتحديات الكبرى البازغة .

بل إن كاتبا أمريكيا (لي دروثمان) يصف النظام السياسي الأمريكي الحالي بأنه (حلقة الموت) الذي يتحتم (الهروب منها) إلى (التعددية الحزبية) بينما يرى غيره مثل (جيمس تروب) في فورين بوليسي أن القالب الديمقراطي الأمريكي قد ضاق تماما على المتغيرات العاصفة اقتصاديا واجتماعيا من حوله ، وأن الضغوط الواقعة على هيكل النظام نفسه أصبحت أكبر من قدرته على مواجهتها أو احتوائها ، وأن (تنفيس الأزمة) ما كل انتخابات جديدة بوعود جديدة ، ووجوه جديدة ، لن يكون مجديا ، فالنظام السياسي الأمريكي الحالي ، أصبح طريقا مسدودا .

والحقيقة أن استطلاعات الرأي العام نفسها تعكس عمق حضور أسئلة المصير القومي في الداخل الأمريكي ، فآخر استطلاع أجراه مركز الأبحاث الأمريكي (بيو) أقر بأن 57% من الأمريكيين يعتقدون أن النموذج السياسي الأمريكي، كان نموذجا جيدا في الماضي، لكنه لم يعد كذلك في السنوات الأخيرة، بل إن 23% منهم أقروا بأن هذا النموذج لم يكن صالحا ولا جيدا على الإطلاق، في أي يوم من الأيام .

وليس من قبيل المبالغة القول، أن الأسئلة ذاتها باتت الشغل الشاغل للعقل الأوربي ، فيمكنك أن تلاحظ أن مؤلفات العلاقات الدولية الأكثر انتشارا وتأثيرا في عروض الإيكونمست ،أو الفايننشيال تايمز ، أو النيويورك تايمز ، تحمل عناوين تكاد أن تكون موحدة ، على غرار (الديمقراطية تنتحر) و (الشعب في مواجهة الديمقراطية) و (كيف تموت الديمقراطيات) الخ، بل إن السمة الغالبة في إنتاج مراكز الدراسات والتفكير العالمية ، تتجلى في توافق ضمني على أن حجم تأثيرات الداخل القومي هي الأكبر بالدرجة الأولى ، في قدرة القوى التقليدية أو الصاعدة ، على وضعها في منظومة العالم ، أو قيادته ، والعنوان الأكثر رواجا في هذا الإطار ، هو تحكم الأزمات الداخلية للدول ، وفي مقدمتها الدول الكبرى في السياسة العالمية ، فنحن بصدد مراجعات حقيقية ، تطول لدى الجميع أسئلة المصير القومي ، وليس مجرد إجابات عارضة على ظواهر تتعلق بأزمات اقتصادية أو اجتماعية ، نتيجة تراكم الديون ، وتداعيات السياسات التقشفية ، واختلال أسس الرأسمالية .

الحكومات ليست مجبولة على أن تفكر في أسئلة المصير الوطني أو القومي ، فقد باتت محتجزة في محاولة الإجابة على أسئلة المصير اليومي ، وعلى استجلاب أي قطرات من الرضا العام الذي لم يعد قائما، إن هذا المستوى من التفكير هو مسئولية الدول ، بمؤسساتها وأجهزتها، وعقولها الإستراتيجية ، ومفكريها، لأن إبقاء اللحظة التاريخية الراهنة في الشرق الأوسط، وفي النظام الإقليمي العربي، على حالها، معناه أن يذهب الصاعدون في العالم في اتجاه التاريخ، وأن يذهب العرب وحدهم عكس اتجاه التاريخ، وأن يذهب جانب كبير من العالم إلى الحرية، ويذهب العرب إلى صنف جديد من العبودية .

وللحديث بقية .